السبت، 3 ديسمبر 2011

جرحانا أولاً ..

جرحانا بالخارج يتألمون .. فهم يسكرون ولا يجدون من يخفف عنهم وطأة "الهانغ أوفر" في صباح اليوم التالي .. أو يفتقرون لمن يسقيهم ما يطفئ حرقة الفودكا في ساعات الفقدة المتأخرة .. أو من يناول يسراهم حكة البيرة المنعشة حال تقرطيعهم لأخر رشفات الحكة التي في يمناهم .. وربما هم يتألمون لتدهور شعبيتهم عند عاهرات أوروبا نظراً لسمعتهم الطيبة واسعة الانتشار مؤخراً مع تزايد ألمهم المتناسب طردياً مع قدرتهم الاحتجاجية على هذا الألم .. لا أدري .. أعتقد بأنهم يتألمون لأن اليوروات التي تــُستقطع من أموال شعبهم كي توفر لهم مصروفاً يتجانب مع مصروفات العلاج والاقامة والأكل المدفوعة مسبقاً باتت لا تكفي لإخماذ هذا الألم بالطرق الأخرى غير الطبية .. ما من أحد قادر على الجزم أو الاقرار بالسبب الحقيقي لألمهم .. وهذه الحيرة دفعت بالعديد منا للخروج في مسيرات و مظاهرات تصرخ وتنادي " جرحانا أولاً " .. فهم يتألمون .. لا نعرف ما يؤلمهم .. ولكنهم يتألمون .. وألمهم يكفي كي نتغاضى عن ألمنا نحن الليبيين لتشوه صورة ثورتنا و قــُبح انطباع العالم عن ثوارنا بأفعالهم الطائشة الغير قابلة للغفران أو التبرير.. ألمهم يكفي كي نقبل تهجم سكان كل بلد وطأت اقدام جرحانا أرضها , ونرتضى نعتنا بأسوأ الاوصاف لا لشيء سوى لأن ألم جرحانا فاق قدرتهم على الاحتمال والسكوت , و كان كفيل بأن تصبح سيرة 17 فبراير مرافق دائم للملاحم البطولية لجرحانا المتألمين بالخارج .. ألمهم أشد من أن نستنكر تبديد ما تبقى من ثروات هذا البلد لسداد فاتورة انضمامهم لثورة 17 فبراير المجيدة باتاحة كافة مجالات الفسق لهم والتغاضي عن أي مساس بسيادة الأراضي التي أُرسلو إليها وكأن جميل إزالة القذافي وصل حجمه لما يكفي كي يــُبتز به العالم بأسره .. لا يهم ما يؤلمنا نحن .. ما يهم أنهم هم يتألمون .. فرجاءً لكل من جلس على كرسي من شأن الجالس عليه التوقيع على تلك الأوراق الرسمية ذات المفعول السحري .. انظروا في أمر جرحانا فهم يتألمون .. ويجبرونا نحن كليبيين أن نتألم معهم .. وقد عانينا ما يكفي من الألم قبل الثورة و خلالها .. ولا أظن أنه قد تبقى ليبي واحد بسعة اضافية قابلة لاستيعاب أي ألمٍ آخر . 


الخميس، 27 أكتوبر 2011

ديمقراطية بالقوة ..














بنظرة معمقة في نماذج النظم السياسية التي قدمها العالم فيما سبق , و بلفته للاختلاف الفكري والاجتماعي والسياسي وتفاوت نسب التشدد الديني في قالب شعبنا الليبي الواحد , يمكن للمبرر أن يخلق نفسه ليبيح استعانة القذافي بنظرية خرقاء وكتاب أجوف أخترعهما أو نقحهما من تجارب عالمية أخرى كي ينظم جوانبنا الحياتية بكل فوضوية .. فربما لا وجود للطوائف في مجتمعنا الشمولي ولكن ذلك لا يعني أننا شعب لا نختلف من مدينة لمدينة , من منطقة لمنطقة ,. من بيت لبيت , ومن فرد لفرد .. هذه حقيقة أشعر بأنها لا تــُـنكر إلا من قبل من لا يراها .. فما من مقياس ثابت قادر على توحيد الرؤى السياسية شبه المعدومة مسبقاً في عهد القذافي الطويل الذي نشأت فيه أجيال يــُعتمد عليها في تسيير هذه الحقبة القادمة .. لا أستطيع أن أجد حتى المصطلح الذي يمكن أن تــُـدرج تحته ميول الشعب الليبي السياسية كافة بلا أن تـُـصوب أصابع الاتهام نحوي بالإقصاء مـِن من لا يجدون أنفسهم مدرجون تحت هذا التعريف .. !
المشكلة تكمن في مدى قدرة الكائن الليبي على تقبل وجود الآخر .. و تقبل وجود هذا الآخر لا يعني الانصياغ لفكره أو الاستسلام أو حتى الاقتناع به , ولكن مجرد الاقتناع بوجود الاختلاف كفيل بخلق أجواء ديموقراطية قادرة على حل أي اشكال الخلاف .. ولكن الليبي اعتاد دوماً على تهميش المختلف و عدم ارتضاء وجوده و استنكار اختلافه مما سيجعل عملية قطف ثمار الديموقراطية صعبة المنال .
أخاف أنه لو كانت رؤيتي لا مغلوطة انه لا حل قريب لهذه المشكلة .. فتجربة المواطن الليبي مع الديمقراطية شبه معدومة .. وسنحتاج للقليل من الوقت لادارك أن هذا الوطن هو ملك لنا ولكن سياسته ومناصبه وسلطاته ليست ملكاً لنا جميعاً بل لمن هو كفؤ لها , فالمائل للعلمانية سيصعب عليه استيعاب نجاح الإسلاميين في إدارة مؤسسات هذا الوطن بلا أن تدق نواقيس المؤامرة في ذهنه .. والإسلامي لن يتخلى عن تشدده إزاء كفاءة العلماني ولن يتوارى عن تكفيره كلما سنحت الفرصة .. الليبرالي لن يتمكن من ممارسة ليبراليته بلا أن يصطدم بتوجسات الأطراف الأُخرى واصرارها على وضع الحدود اللائق منها و غير اللائق .. و الأسوأ من هذا كله , المواطن العادي غير الطامع سوى بالاستقرار المعيشي سيجد نفسه مقحماً ما بين لطمات هذه التيارات بلا أن يجد من يطبطب على بساطة مطالبه و يحققها له بدون أن تكون بساطتها ذنباً يتسبب في عدم الالتفات إليها .. !
الكثير من المعطيات تشير إلى أن النظام السياسي الأنسب للفترة القادمة هو نظام سياسي جديد يتم تفصيله على معايير الاختلاف الفكري وليس العرقي لليبيين ..إلا لو تقبل الليبي وجود الآخر و ارتضى ديموقراطية الديموقراطية و سلم أمر سياسة دولته لحكم الاغلبية الناجم عن صناديق الاقتراع .. فـ كل النظم المعروفة والمستهلكة بنجاح قبل ثورتنا يمكن أن تتسبب في اضطرابات تؤدي إلى تداور السلطة بشكل عدواني في كل فترة انتخابية تثبت فشل تعميم توجهاتها على كافة الطوائف الفكرية والسياسية للشعب , فالتوجه الذي سيفشل سيلحقه قفزات من التوجه التالي لمحاولة تطبيق نفسه بشمولية أكثر ستؤدي لفشله هو الآخر .. سيكون الأمر كالدوران في حلقة مفرغة مما يستوجب حلاً من الاثنين .. السيطرة على دوافع كل التيارات السياسية و ضبط كيفية الاندماج و ارتضاءها للتيارات الأُخرى في قالب السلطة ليتم عبر هذه الآلية تخفيف العداءات الطبيعية الناجمة عن الاختلاف .. أما الحل الآخر فهو استخلاق قالب سياسي جديد اقرب لتجربة نظرية القذافي الهزيلة وإن كان بمعايير أكثر منطقية و إنسانية , ولكن خوف تكرار تجربة الديمقراطية الوهمية سيكون كفيل بإجهاض هذه المحاولة حتى بالشروع في دراستها و طرحها بكيفية مناسبة و بكفاءة كفيلة بإرضاء جميع الأطراف وبضوابط يصعب معها التلاعب و تأويل أيً من المعايير والأهداف التي طـُرحت لأجلها .. فهذا ما يحتاج للمدينة الفاضلة وليس لدولة خرجت لتوها من عقودٍ من التلاعب و الفوضى و قمع الأصوات المعارضة مهما كانت خافتة .. !
باختصار , لو حاولت أن أجد الانطباع الشخصي الأنسب لما هو قادم من فترة سياسية دسمة , لن أجد غير التشاؤم يناسب ما أراه من لا انسجام .. و جل ما أتمناه ألا يكون هذا التشاؤم مقصور على رؤاي وحدها و إلا لن يكون له أي جانب إيجابي .. فلو اشتركت مع تصوري تصورات الغير , سيكون هذا التشاؤم هو المحفز كي يدرك العديد أن اللهفة للسلطة لن تتسبب سوى في إفسادها .. فلنترك السلطة للسلطويين .. و لنكن نحن الشعب الذي هو في أشد الأمم ديمقراطية المستفيد الأكبر من وجود هذه الديمقراطية .